القرطبي

3

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه منتى ( 1 ) ، بأن أكتب تعليقا وجيزا ، يتضمن نكتا من التفسير واللغات ، والاعراب والقراءات ، والرد على أهل الزيغ والضلالات ، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات ، جامعا بين معانيهما ، ومبينا ما أشكل منهما ، بأقاويل السلف ، ومن تبعهم من الخلف . وعملته تذكرة لنفسي ، وذخيرة ليوم رمسي ، وعملا صالحا بعد موتي . قال الله تعالى : " ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ( 2 ) " . وقال تعالى : " علمت نفس ما قدمت وأخرت ( 3 ) " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " . وشرطي في هذا الكتاب : إضافة الأقوال إلى قائليها ، والأحاديث إلى مصنفيها ، فإنه يقال : من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله . وكثيرا ما يجئ الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما ، لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث ، فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا ، لا يعرف الصحيح من السقيم ، ومعرفة ذلك علم جسيم ، فلا يقبل منه الاحتجاج به ، ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى من خرجه من الأئمة الأعلام ، والثقات المشاهير من علماء الإسلام . ونحن نشير إلى جمل من ذلك في هذا الكتاب ، والله الموفق للصواب . وأضرب عن كثير من قصص المفسرين ، وأخبار المؤرخين ، إلا مالا بد منه ولا غنى عنه للتبيين ، واعتضت من ذلك تبيين آي الاحكام ، بمسائل تفسير عن معناها ، وترشد الطالب إلى مقتضاها ، فضمنت كل آية لتضمن حكما أو حكمين فما زاد ، مسائل نبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير الغريب والحكم ، فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل ، هكذا إلى آخر الكتاب . وسميته ب‍ ( الجامع لأحكام القرآن ، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان ) ، جعله الله خالصا لوجهه ، وأن ينفعني به ووالدي ومن أراده بمنه ، إنه سميع الدعاء ، قريب مجيب ، آمين .

--> ( 1 ) المنة ( بالضم ) : القوة . ( 2 ) آية 13 سورة القيامة . ( 3 ) آية 5 سورة الانفطار .